المقاطعة العربية عام 1973 علّمت العالم كيف يتحرر من الاعتماد على نفط الشرق الأوسط، وساعدت بمنع أزمة أكبر اليوم نتيجة الحرب مع إيران. كما يطرح انسحاب الإمارات من أوبك تساؤلات حول إمكانية مساهمته في تخفيف حدة الأزمة العالمية الحالية.
في بداية العملية الإسرائيلية في إيران، تبيّن أن المرشد الأعلى الإيراني الذي اغتيل خلال العملية، علي خامنئي، ترك لقادة النظام في البلاد خطة فوضى منظمة، هدفها خلق أزمة طاقة عالمية من خلال إغلاق مضيق هرمز والهجوم على البنى التحتية النفطية لدول الخليج العربي، التي تعتمد اقتصاداتها بشكل كبير على هذا المورد الاستراتيجي.
وبالفعل، مع إغلاق مضيق هرمز ارتفعت أسعار النفط بنحو 40%، وامتد التأثير إلى مختلف القطاعات المرتبطة به، بدءًا من سوق الطاقة وحتى الصناعات التحويلية وقطاعات السياحة والخدمات اللوجستية. كما أن انسحاب دولة الإمارات من منظمة الدول المصدرة للنفط “أوبك” الذي دخل حيز التنفيذ، يُظهر أنه رغم تنوع الاقتصاد الإماراتي بشكل أكبر مقارنة بالماضي، لا يزال النفط يشكل مصدر دخل حيوي وأساسي لخزينة الدولة.
كان خامنئي يعرف ماذا يفعل عندما كتب خطة الفوضى الخاصة به – فهذه ليست المرة الأولى التي تستخدم فيها دولة في الشرق الأوسط صناعة النفط كورقة مساومة: في أكتوبر 1973، في ذروة حرب يوم الغفران، حولت ست دول عربية – العراق، السعودية، الإمارات، الكويت، قطر وليبيا – النفط إلى سلاح سياسي.
فرضن حظرًا على دول الغرب التي دعمت إسرائيل، قلّصن الصادرات وضاعفن سعر النفط أربع مرات – من ثلاثة دولارات للبرميل إلى 12 دولارًا (زيادة بنسبة 300٪) – وزعزعن الاقتصاد العالمي. من هنا تبرز السؤال: كيف حدث أن أزمة النفط في عام 2026 أدت إلى ارتفاع أكثر اعتدالًا بكثير في أسعار النفط مقارنة بالحظر العربي عام 1973؟ دعونا نتحقق.
كان خامنئي يعرف ماذا يفعل عندما كتب خطة الفوضى الخاصة به، فهذه ليست المرة الأولى التي تستخدم فيها دولة في الشرق الأوسط صناعة النفط كورقة مساومة. ففي أكتوبر عام 1973، وفي ذروة حرب يوم الغفران، حولت ست دول عربية، وهي العراق والسعودية والإمارات والكويت وقطر وليبيا، النفط إلى سلاح سياسي.
فرضت تلك الدول حظرًا على دول الغرب التي دعمت إسرائيل، وقلّصت صادرات النفط بشكل كبير، كما رفعت الأسعار أربعة أضعاف، من ثلاثة دولارات للبرميل إلى 12 دولارًا، أي بزيادة بلغت نحو 300٪، ما تسبب باضطراب واسع في الاقتصاد العالمي.
ومن هنا يبرز السؤال: كيف حدث أن أزمة النفط في عام 2026 أدت إلى ارتفاع أكثر اعتدالًا بكثير في أسعار النفط مقارنة بالحظر العربي عام 1973؟ دعونا نتحقق.
إذا عدنا خمسين عامًا إلى الوراء، سنكتشف أن الاقتصاد العالمي كان مختلفًا تمامًا عما هو عليه اليوم، وكذلك سوق الطاقة. ففي عام 1973 كان العالم يعتمد بشكل أكبر بكثير على النفط القادم من الشرق الأوسط، حيث كان نحو ثلث استهلاك النفط العالمي يأتي من هناك. واستغلت الدول العربية الأعضاء في أوبك هذا الاعتماد الغربي، ونسقت فيما بينها لرفع الأسعار وتقليص الصادرات بنسبة 5٪ إلى الدول الداعمة لإسرائيل.
نتيجة المقاطعة العربية كانت نقصًا حادًا في النفط، ما أدى إلى طوابير طويلة في محطات الوقود في الولايات المتحدة، وانخفاض كبير في الصناعات التي تعتمد على مصادر الطاقة الرخيصة في أوروبا، الأمر الذي تسبب بإغلاق مصانع وشلل قطاعات صناعية كاملة. ودخل العالم بأسره في حالة من الركود التضخمي، وهو مزيج خطير من الركود الاقتصادي العميق والتضخم المرتفع، حيث وصلت معدلات التضخم في الدول الغربية إلى ما بين 5٪ و10٪.
أزمة الطاقة الحادة أجبرت دول الغرب على تغيير مفهومها تجاه الاعتماد على النفط، وسرّعت تحولًا هيكليًا في الاقتصاد العالمي. فقد انتقلت معظم الدول من استخدام السيارات الكبيرة إلى السيارات الصغيرة الأقل استهلاكًا للوقود، كما بدأت الصناعات بالاستثمار في مصادر طاقة بديلة ومتجددة وأكثر صداقة للبيئة، ما جعل سوق الطاقة أقل تركّزًا وأكثر تنوعًا.
لكن ذلك لم يكن العامل الوحيد الذي ساعد العالم على الخروج من أزمة الطاقة. ففي عام 1974 توصلت الدول الغربية إلى تفاهمات مع الدول العربية بعد جولة من الضغوط الدبلوماسية، وهو ما أدى إلى تغيير السياسات بين الجانبين وانتهاء الحظر النفطي.
وفي ثمانينيات القرن الماضي تم اكتشاف حقول نفط ضخمة في بحر الشمال وألاسكا، ما قلل بشكل كبير من الاعتماد على النفط العربي، بل وحوّل دولًا غربية مثل النرويج وكندا إلى قوى كبرى في مجال الطاقة بفضل مواردها الذاتية.
أما في عام 2026، فالأزمة موجودة بالفعل، لكنها ليست بالحجم نفسه الذي شهده العالم في عام 1973. فسياسة إيران في مضيق هرمز تسببت بارتفاع أسعار الطاقة وحدوث اضطرابات في الأسواق، إلا أن الاقتصاد العالمي اليوم أكثر تنوعًا وقدرة على التكيّف. ورغم أن دول الخليج الفارسي تمتلك نحو نصف احتياطيات النفط المؤكدة عالميًا وتنتج قرابة 30٪ من النفط العالمي يوميًا، فإن العالم لم يعد يعتمد عليها بالشكل المطلق الذي كان قائمًا قبل عقود.
إغلاق مضيق هرمز لا يزال خطوة قادرة على التأثير في موازين الاقتصاد العالمي، لأنه الممر البحري الرئيسي لصادرات النفط الخليجية، لكن تأثيره اليوم يبقى أقل حدة مقارنة بالماضي. فإلى جانب نمو الاقتصاد العالمي بشكل كبير، استثمرت دول كثيرة في الطاقة المتجددة مثل الطاقة الشمسية وطاقة الرياح والطاقة المائية، كما تم اكتشاف حقول نفط وغاز جديدة في مناطق مختلفة حول العالم، ما جعل إنتاج الطاقة أكثر تنوعًا وأقل اعتمادًا على منطقة واحدة.
ومن العوامل المهمة أيضًا منظمة أوبك، التي تأسست عام 1960 بهدف تنسيق إنتاج وتسعير وتصدير النفط بين الدول الأعضاء من أجل التحكم في المعروض العالمي. وتلتزم الدول الأعضاء بحصص إنتاج محددة، ما يقيّد كمية النفط التي يمكن لكل دولة ضخها في الأسواق.
وفي هذا السياق، أعلنت الإمارات العربية المتحدة، وهي رابع أكبر منتج للنفط داخل المنظمة، انسحابها من أوبك، بهدف الحصول على حرية أكبر في زيادة صادراتها النفطية ومواجهة الضغوط الاقتصادية الناتجة عن الحرب مع إيران.
ورغم أن إغلاق مضيق هرمز يحد حاليًا من قدرة الإمارات على تصدير الكميات التي تطمح إليها، فإن مراقبين يرون أن هذه الخطوة قد تؤثر على بقية أعضاء المنظمة. وتشير تقديرات محللين اقتصاديين إلى أن انسحاب الإمارات قد يؤدي إلى ما يشبه “تأثير الدومينو”، حيث قد تبدأ دول أخرى بمغادرة أوبك أيضًا، ما يعني زيادة المنافسة بين المنتجين ورفع مستويات الإنتاج بشكل أكبر لتلبية الطلب العالمي.
وفي النهاية، وبين أزمة عام 1973 وأزمة عام 2026، يبقى النفط أداة جيوسياسية تستخدمها دول المنطقة للضغط والتأثير، لكن الفارق الكبير أن الاقتصاد العالمي اليوم ليس هو اقتصاد الأمس. فالعالم تعلم دروس أزمة السبعينيات، واستثمر لعقود في تقليل اعتماده على مصدر واحد للطاقة، وهو ما جعل الضرر الحالي أكثر اعتدالًا مقارنة بما حدث قبل خمسين عامًا.
أما إيران، التي اعتقدت أنها قادرة على أخذ الاقتصاد العالمي رهينة عبر إغلاق مضيق هرمز، فتكتشف اليوم أن العالم أصبح أكثر استعدادًا لمواجهة مثل هذه الأزمات، وأن موازين الطاقة العالمية لم تعد كما كانت في الماضي.

